تهيمن شركتا أمازون وعلي بابا على مشهد التجارة الإلكترونية العالمي، لكنهما تمثلان فلسفتين استثماريتين مختلفتين تماماً. بالنسبة للمستثمر الذي يتطلع إلى بناء محفظة تقنية قوية، فإن فهم الفوارق الجوهرية بين هذين العملاقين يتجاوز مجرد النظر إلى أرقام المبيعات. تعتمد أمازون على نموذج لوجستي كثيف الأصول، حيث تمتلك المخزون وتدير سلاسل التوريد المعقدة، بينما تعمل علي بابا كمنصة وسيطة تربط بين البائعين والمشترين، مما يمنحها مرونة أكبر في إدارة التكاليف المباشرة.
الأداء المالي وقوة السحابة الرقمية
تُعد الحوسبة السحابية المحرك الحقيقي للربحية في كلتا الشركتين، إلا أن الفوارق في الحجم والنمو تظل شاسعة. أظهرت نتائج عام 2025 أن قطاع خدمات أمازون ويب (AWS) لا يزال يحافظ على ريادته العالمية بإيرادات فصلية تجاوزت 33 مليار دولار، مدعومة بنمو سنوي قدره 20%. هذا القطاع لا يمول فقط توسعات أمازون في تجارة التجزئة، بل يوفر هامش أمان نقدي يقلل من تقلبات السوق.
في المقابل، شهدت “علي بابا كلاود” تسارعاً ملحوظاً في النمو بنسبة وصلت إلى 34% في الربع الثالث من عام 2025. وعلى الرغم من أن قاعدتها الإيرادية أصغر بكثير من منافستها الأمريكية، إلا أن تركيزها على الذكاء الاصطناعي التوليدي وخدمة السوق الآسيوية الناشئة يمنحها إمكانات صعود قوية. يراقب المستثمرون هذا التحول بدقة، حيث بدأت الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تؤتي ثمارها في زيادة الطلب على الخدمات السحابية.
الجغرافيا السياسية والبيئة التنظيمية
لا يمكن تقييم علي بابا أو أمازون دون الخوض في التعقيدات التنظيمية التي تحيط بهما. تواجه أمازون ضغوطاً متزايدة من قوانين مكافحة الاحتكار في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث تسعى الجهات الرقابية للحد من هيمنتها على بيانات التجار الخارجيين. هذه الضغوط قد تؤدي إلى تباطؤ في وتيرة الاستحواذات أو فرض قيود على كيفية دمج خدماتها المختلفة.
على الجانب الآخر، تعمل علي بابا في بيئة صينية تتسم بالتقلبات السياسية العالية. بعد سنوات من التدقيق الرقابي الصارم الذي بدأ في عام 2020، بدأت الشركة تظهر علامات التعافي مع توجه بكين نحو دعم شركات التكنولوجيا لتعزيز النمو الاقتصادي. ومع ذلك، تظل مخاطر الحذف من البورصات الأمريكية والتوترات التجارية بين واشنطن وبكين سيفاً مسلطاً على رؤوس المستثمرين الأجانب، مما يدفع الكثيرين إلى المطالبة بخصم سعري مقابل هذه المخاطر.
مؤشرات التقييم وعوائد الاستثمار
عند مقارنة الشركتين من منظور القيمة، نجد تفاوتاً كبيراً في التقييمات السوقية. تتداول أمازون بمضاعف ربحية مستقبلي (Forward P/E) يبلغ حوالي 30 مرة، وهو ما يعكس ثقة السوق في استقرار تدفقاتها النقدية وقدرتها على التوسع المستمر. يرى المستثمرون في أمازون “ملاذاً آمناً” ضمن قطاع النمو، نظراً لتنوع مصادر دخلها التي تشمل الإعلانات الرقمية والاشتراكات.
أما بالنسبة للشركة الصينية، فإن التحليل الفني والأساسي يشير إلى صورة مختلفة تماماً. يتأثر سعر سهم علي بابا بشكل مباشر بتوقعات النمو الاقتصادي في الصين ومستويات الثقة في الأسواق الناشئة. حالياً، يتم تداول السهم بمضاعف ربحية يقترب من 20 مرة، وهو تقييم منخفض تاريخياً مقارنة بأقرانه في “السبعة العظماء” في الولايات المتحدة. هذا الفارق السعري يمثل فرصة للمستثمرين الذين يبحثون عن أصول مقومة بأقل من قيمتها الحقيقية، شريطة قدرتهم على تحمل التقلبات الجيوسياسية المرتفعة المرتبطة بالسوق الصينية.
التوسع في الذكاء الاصطناعي والأسواق الجديدة
تستثمر أمازون مبالغ طائلة في رقائقها الخاصة (مثل Trainium2) لتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين وتخفيض تكاليف تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي. هذا التكامل الرأسي يمنحها ميزة تنافسية طويلة الأمد في تقديم حلول مخصصة للمؤسسات الكبرى. كما تستمر في تعزيز حضورها اللوجستي في الأسواق الناشئة، مما يجعلها منافساً شرساً في كل منطقة تدخلها.
علي بابا، من جهتها، تراهن على نموذجها “Qwen” ليكون الرائد في معالجة اللغات الطبيعية داخل الصين. وبدلاً من التركيز فقط على التجارة التقليدية، تعمل الشركة على دمج الذكاء الاصطناعي في منصات الخدمات اللوجستية (Cainiao) لتحسين كفاءة التوصيل العابر للحدود. تهدف هذه الخطوات إلى استعادة الحصة السوقية التي فقدتها لصالح منافسين جدد مثل “بيندودو”، مع التركيز على جودة الأرباح بدلاً من مجرد حجم التداول الإجمالي.
تنويع الأعمال والأنظمة البيئية
بنت أمازون نظاماً بيئياً يركز على “برايم” (Prime)، وهو نموذج اشتراك يخلق ولاءً استثنائياً لدى المستهلكين. لا يشتري المشترك في برايم المنتجات فحسب، بل يستهلك المحتوى الرقمي ويستخدم خدمات التخزين، مما يجعل الخروج من هذا النظام أمراً صعباً. هذا النموذج يوفر تدفقات نقدية متوقعة ومستقرة تساعد في إدارة المخاطر المالية للشركة.
في المقابل، يمتد تأثير علي بابا ليشمل الخدمات المالية عبر حصتها في “مجموعة آنت” (Ant Group)، التي تدير تطبيق “أليباي” (Alipay). ورغم إعادة هيكلة هذه المجموعة، إلا أنها تظل ركيزة أساسية في النظام المالي الرقمي الصيني. بالإضافة إلى ذلك، تلعب الشركة دوراً محورياً في التجارة بين الشركات (B2B) عالمياً، وهو قطاع لا تزال أمازون تحاول اختراقه بعمق أكبر.
يميل المستثمر الذي يفضل الاستقرار والنمو المتواصل في بيئة قانونية واضحة نحو أمازون، رغم التقييم المرتفع لسعرها. في حين ينجذب الباحثون عن العوائد المرتفعة ممن يمتلكون قدرة على تحمل المخاطر الماكرو-اقتصادية نحو علي بابا، حيث يُنظر إليها كرهان على تعافي الاستهلاك في ثاني أكبر اقتصاد في العالم. لا يزال السباق بين العملاقين قائماً، والنتائج المالية للأعوام المقبلة ستحدد ما إذا كانت الكفاءة التشغيلية لأمازون ستتفوق على المرونة السعرية لعلي بابا.
سيظل التوازن بين مخاطر التنظيم في الغرب والتقلبات السياسية في الشرق هو المعيار الأساسي لتوزيع الأصول في هذا القطاع الحيوي.







